التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراجعة

 "الخوف"


ليس أقسى على الإنسان من شعور ممض يؤرق يومه، وليس هناك أمر من شعور الخوف الذي يسكن القلب والعقل. 

من هنا انطلقت في قراءة رواية "الخوف" للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ التي امتدت على ثلاثة وثمانين صفحة فقط ولكنها غاصت جيّدا في الشعور الانساني الأكثر رعبا والأكثر قسوة على قلب أي امرئ على وجه البسيطة.

شخصيات زفايغ ليست بالكثيرة وذلك لطبيعة روايتاه القصيرة وهذا حسب رأيي طبعا فالرواية المكثفة لا تتطلب دخول عدة أشخاص لحياة البطل فيضطر بعدها الكاتب للغوص في تفاصيلهم وتطول الرواية إلى حد الاتيان على جميع الشخصيات الرئيسة وصفا وتمييزا كي تتناسق الأحداث وتتلاحم الشخوص لتعطينا رواية مميزة، انما هي رواية تدول حول بطل واحد وفي بعض الأحيان هذا البطل لا يتحرك من مكانه مثلما كان في روايته "رسالة من مجهولة" فقط زفايغ يغوص في دواخل شخصياته ليرينا ما يعتمل فيها من اضطراب أو فرح أو خوف أو حب أو هوس.

في روايتنا اليوم الشخصية الرئيسية تدعى إيرين شابة في الثلاثينات من العمر متزوجة ولها ابن وابنة، استهوتها مغامرة العشق مع عازف بيانو فانغمست فيها لتشعر بالحياة تتدفق في كيانها وهي الّتي تعيش حياة بورجوازية خاملة لا جديد فيها ولكن أثناء خروجها يوما ما من بيت عشيقها تقابلها امرأة تدعي انها صديقته وتبدأ في ابتزازها وهنا يتغير مجرى الأحداث لينغمس زفايغ في شرح شعور الخوف الذي استبد بإيرين وجعل حياتها جحيما.

لم تكن إيرين تتوقع إن تكون مطاردة من امرأة وهي التي تأخذ احتياطاتها جيّدا أثناء وبعد قدومها لعشيقها فبعد أن غطت وجهها بغلالة سميكة كي لا يتم التعرف عليها أصبحت الآن تعيش الرعب من انكشاف سرها. 

الخوف كان حاضرا في قلبها كلما سلمت نفسها لعشيقها ولكنه ينتهي بمجرد أن تعود سالمة لقواعدها المطمئنة ولبيت زوجها الحامي والآن بعد أن هددتها المرأة الغليظة أصبح الخوف يحيط بها حتى وهي داخل جدران بيتها فكل الحركات والسكنات خارجا مثلت لها رعبا مضاعفا خصوصا أن غريمتها ضيقت عليها أنفاسها وتبعتها حتى منزلها وتعرف اسمها وكنيتها ورفعت في مطالبها فبعد القليل من المال أصبحت تطالب أكثر وأكثر. 

إيرين التي عاشت ثماني سنوات من الدعة والتفاهم مع زوجها انجبت فيها صغيرين عادت لتنبش في طباع زوجها وتبحث عن خصاله وكل ذلك من خوفها الذي أصلته فيها المبتزة كي تتتعرف ردة فعله حين ينفضح كل شيء


الجدران الّتي كانت تحميها أصبحت شفافة والخناق يضيق على رقبتها يوما بعد يوم والاعتراف بين جنبيها يخزها فتصمم على البوح في ساعات صفاء زوجها ولكن جبنها يمنعها وتنحدر يوما بعد يوم إلى الهاوية.


الأرق أصبح رفيقها والأحلام المزعجة نديمة ليلها والاضطراب من كل ما يأتي من الخارج أصبح ملازما لها وكل ذلك وهي تدور حول نفسها مستسلمة لابتزاز المرأة، مشتتة الفكر، قلقة الوجدان، خائفة القلب. 


لم ينته الابتزاز بمقادير من المال فقط بل إن المرأة الغليظة والتعبير لزفايغ قدمت للبيت ودخلته عنوة وأخذت خاتما ثمينا لا من حيث القيمة المادية فقط بل أيضا معنويا يمثل رمزا للعلاقة التي جمعتها بزوجها ولكي تداري فضيحتها ادعت إيرين أنها أرسلته للتنظيف وحددت يومين لذلك وفي الحقيقة هي سلمته كي تستخدمه المبتزة رهنا في مقابل ٤٠٠ كرونة المبلغ الذي أرادته من إيرين. 


وبعد أن أخذت الخاتم اختفت عن الأنظار ولم يعد لها وجود وهنا تحول القلق والخوف والرعب إلى قرار متهور ينهي معاناتها، فلا هي تريد فضيحة وعارا لابناءها ولا هي قادرة على التخلي عن زوجها لذلك قررت أن تنهي الحكاية وتنهي نفسها بشرب المورفين، وقتها تدخل الزوج الذي خطط لكل شيء كي يعيدها إليه ويسرد جانبه من القصة ويعيد لها خاتمها وينهي مغامرة اقتربت من انهاء حبيبته. 


الخوف ذلك الشعور البشري الممض، الذي يستبد بالانسان حين ارتكاب الأخطاء أو حين الإقدام على مغامرات لا يحسب لها عواقب ولا يقرأ لها نتائج، هو الشعور الأشد على قلب الانسان حيث يأخذه في متاهات وطرق لا سلطان لعقله فيها وانما القيادة للقلب الذي يريد فقط استرداد الطمأنينة التي كان عليها. 


وكتقييم لهذه الرواية أسند خمس نجمات لكتاب أخذنا في رحلة نفسية مع شعورنا الأكبر الذي يطوقنا ويرافقنا في كل أوقاتنا.

_______________________________________________

بلال عرباوي ٢٠٢١/٠٦/٠٧

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سفن الغياب و أشرعة العودة

  سفن الغياب وأشرعة العودة يقولون أن في ديسمبر تنتهي كل الأحلام .. بت أرقب هذا الشهر   نهايته كما يرقب السقيم خلاصه ، في كل سنة يمر هذا الشهر بطيئا ثقيلا و كأنه ينتزع منا أرواحنا ، فنخسر علاقة بنيناها ، و تضمحل أخرىو تبقى أخرى معلقة فلا هي انتهت لترحل بثقلها و لا هي عادت لها جذوتها . في هذا الشهر ، تقفر القلوب من المشاعر و كأن الكل قد فرغت خزائن قلبه من الخلجات ، و بقي على حافة الانتظار لتأتيه السماء بخزان جديد. تحوم النوراس في ملتقى صحراء الأيام و برود الشتاء ، لتبشر بقدوم موسم الأمطار ، فتسكن أراضي القلوب المنهكة و تبقى في انتظار أفول العام و تكسر ما بقي من أحلام معلقة على جدران الزمن.  ثم تأتي سفينة ، تمد أشرعتها في الفضاء لتلقي حبلا لمن بقي صامدا دون انفجار قلبه فينتشله من المرفإ القديم المتهالك بفعل مرور الأيام. في ديسمبر تنتهي كل الأحلام ، لتتكون البدايات الجديدة و تنبثق كطائر الفينيق من رماد الأيام المنصرمة لتخبرنا أن لكل بداية نهاية و كل نهاية هي بداية جديدة.

صداقة

صداقة بمناسبة يوم الصداقة العالمي، تذكرت السنة الفارطة حين أرسلت رسالة صداقة لصديقة ممن اعتبرت أن علاقتنا قوية لدرجة بلوغها مصاف الصداقة، ولكني تفاجئت بكونها حظرتني، لم أفهم السبب، واعتقدت بمبدأ حسن النية أنها أغلقت حسابها لسبب ما إما استراحة من الفايس أو سبب اخر أجهله. بعد أيام وجدت صديقا مشتركا بيننا على فايسبوك فسألته هل هي متواجدة فأجاب بالايجاب حينها فقط أدركت أنها قامت بحظري. فبلغتها التحية.  بعد قليل وجدت رسالة منها، فتحدثنا، سألتها لم؟ وكعادة التونسيات قالت أنني أعرف السبب . وبما أنني خالي الذهن من اي سبب مباشر تجاهها بقيت مزبهلا.  حينها قالت أنني علقت عند صديق مشترك بيننا بتعليق مخل، فضحكت من هذا حتى استلقيت على ظهري ( طبعا انا دائما مستلق على ظهري😂)  المربك في الأمر أنني أكتب أكثر من ذلك على صفحتي، تغزلا بالمرأة، والتعليق كان على صورة إمرأة.  بفعلها هذا أعدت ترتيب مفاهيمي، ورتبت أصدقائي من جديد ولم أترك الا قليلا أحادثهم ويحادثونني وها أنا اليوم أتذكر ذلك لأعيد من جديد تصفية البقية الباقية.  لا صداقات حقيقية الا مع من لا يحسب عليك ...

جاك ما حكاية نجاح

                جاك ما حكاية نجاح من منا لا يعرف جاك ما jack ma مؤسس موقع "علي بابا alibaba"  ذلك الشاب المغمور الذي صعد صعودا صاروخيا في عالم المال والأعمال وتربع على عرش الريادة في الصين. جاك ما لم يكن غير مدرس أنقليزية لا يعرفه أحد يتقاضى أجرة شهرية ب120 يوان أو ما يعادل 15 دولار، ولم يكن راضيا تماما على هذا الوضع، فاختار الاستقالة والبحث عن فكرة أخرى تجعل منه أحسن ماديا. في عمر الثلاثين في عمر الثالثين ذهب جاك ما لأمريكا أين رأى لأول مرة في حياته حاسوبا ولامس لوحة مفاتيحه ومن هنا أتت فكرة تأسيس موقعه الالكتروني والعمل على الانترنات. في حوار له مع الصحفي تشارلي روز يتحدث جاك عن أسباب تربعه على عرش إمبراطورية مالية وبلوغه مصاف الملياردات ويقول أن كلمة "لا"  كانت محفزه ودافعه للبروز. " آمن بما تفعله، أحبه،  سواء أأحب الناس ذلك أم لم يحبوه، كن بسيطا، الحياة كعلبة شوكولا، لا تعرف محتواها ولا تعرف على ماذا ستحصل" https://m.youtube.com/watch?v=2baJreTbMvs&feature=youtu.be لم يكن طريق جاك ما معبدا، ولم ...