التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقاط جن الكتابة

 التقاط جن الكتابة

التقاط جن الكتابة



أردت أن أكتب هذه الليلة، هناك قوة تدفعني للقلم ولكنني لا أملك موضوعا لذلك، كتبت نصف قصيدة ولمّا أحسست أنني أكابد في استكمالها  ضغطت على زر الالغاء، يبدو أن الشعر أصبح عسيرا عليّ هذه المدة. لم تنصفني مشاعري منذ زمن لكتابة بيت جيّد وأرى أن معينه بدأ يجف وفرصي لكتابته تقلصت بشكل كبير. 


قرأت في إحدى المرات أن التجدد هو منبع الشعر، والبقاء مسجونا بين جدران الغرف يقلل فرص كتابته فموضوعاته تتكون من مشاهدات الشاعر وبالمكوث حبيسا  في غرفتك ستذبل طاقتك الكتابية وينضب معينك الذي تنهل منه ويخبو إلهامك الذي تستدر منه الكلمات وأظن أن هذا الكلام ينطبق على حالتي الآن. 


قبل قليل كنت منتش بشعور مفاجئ جعلني أمد هاتفي للامساك بتلابيبه وصبه في قصيد ولكنه لم يطاوعني وسرعان ما جافاني ليبقى أثره فقط يتردد بين قلبي وشراييني. 


عادة، لا أكتب الشعر إلا حين أحس بتلك الوخزة اللذيذة تتكون في أطرافي، كتكوّن سحابة ممطرة تبدأ بالقليل القليل ثم تتجمع وتعم أرجاء السماء وحين تمتلأ بالماء تصب خزائنها على أرضي.

 أما نشوتي تلك التي تعترني قبل الكتابة ولا تنتهي إلا بانتهاء دفق الكلمات حيث أسكبها في دفتري الافتراضي فتتجمع عند السرة كنشوة الفرح أو غيرها من الأحاسيس المشبعة وتبدأ ضغطها الرهيب فتنتزعني من أي شيء كنت بصدده ولا تستسلم إلا بالانغماس فيها وايلائها كل تفكير وكل اهتمام.


هذه النشوة تتقلص درجاتها وترتفع بطريقة الكتابة، فلو أطاع القلم وتسرب الموضوع سلسا بين أصابعي تبقى في مستوى مرتفع وتزيد من الضغط حتى أحس بقلبي سينفجر من شدة الضغط، وأحس صوتي يريد الخروج منطلقا كأنني في فضاء فسيح لا يسمعني فيه سوى الصدى وتجف حنجرتي كأنني في آخر أمتار من مارطون وسأفوز بميدالية السباق، وتنخفض بمجريات الكتابة وطريقتها فإن استعصت واستحكمت أبوابها تنخفض إلى أقل مستوياتها.


لا أعرف كيف يحس الكتاب الأخرون؟! ولكن أظن أن ما يسمى شيطان الشعر أو شيطان الكتابة ليس إلا كمية من الأدرينالين تغشى القلب فيصرفها في أول موضوع يخامر ذهن الكاتب وأول كلمة ينطلق بها لسان قلمه ثم تدفعه تلك الموجات بمدها وزجرها المتكون داخله.. فيجدف هو بما يستطيعه من لغة محبوكة وخيال شاسع ويطرز بما أجاده من أسلوب وما كونه من معارف منسوجاته الكتابية فتأتي مزخرفة مزركشة تسر الناظرين. 


وبنفس الطريقة التي يكتب بها الكتاب، ينسجم الموسيقيون مع ألحانهم وهنا أتذكر أنني قرأت أنهم حين يشغفون بها تأتي حركات أجسامهم معبرة عن المقطوعات فتتحرك منتشية متناغمة مع الأصوات وكأنها تشعر بوخزات الألحان فيها فتخرجها في حركات معبرة على دقة اللحن وعذوبته.


ولا أستبعد أن في كل مجال إبداعي روح تتلبس صاحبه فيأتي أفعالا لا تدل إلا عن تلك النشوة التي تخامره فتتحرك أوصاله كلها للتعبير عنها سواء بحركات جسدية أو بسكرة فكرية تنتهي بمنتج يشد الناظرين.

______________________________________________

بلال عرباوي ٢٠٢١/١١/٢٤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقايا حرية

بقايا حرية هذه بقايا حرية أتنفسها سأكتب قبل أن تغلق أقفاص الحديد  قبل أن تصبح الكلمة مطاردة  وتصبح مدعاة للتهديد والوعيد  لا أرى في الأفق بشائر كثيرة  انغلقت زوايا الفضاء الكبير  وأصبحت حادة كنصال السهام تنتظر فقط لحظة اطلاقها  لتنغرز في رقاب كثيرة وتشرب من دمائها الفائرة  هذه بقايا حرية أتنفسها يخزني شيطان الشعر المتربص بي يريد التحرر من هذا الاختناق يرى الأصفاد تطوق حظوره  وتمسك بخناقه رويدا رويدا  لتحد من انطلاقه  وتسجنه في ذلك القفص القديم  نحارب كي نبقى طلقاء  كما نسور غير مدجنة  نطير فوق السحاب بأجنحة مفرودة  ونتخير فرائسنا المقنوصة  وليس تلك الطرائد المحبوسة  التي تطلق لتجديد طاقة أجنحتنا  هذه بقايا حرية أتنفسها  ويخزني شيطان الشعر المتشائم  أكتب قبل أن تنكس الأقلام  أكتب قبل أن تسجن الأرواح في أجسادها أكتب قبل أن يخيم الصمت على المدينة ليسمع فيها فقط صوت الملك العادل  الذي لا يرى صوتا أجمل من صوته  ...

صداقة

صداقة بمناسبة يوم الصداقة العالمي، تذكرت السنة الفارطة حين أرسلت رسالة صداقة لصديقة ممن اعتبرت أن علاقتنا قوية لدرجة بلوغها مصاف الصداقة، ولكني تفاجئت بكونها حظرتني، لم أفهم السبب، واعتقدت بمبدأ حسن النية أنها أغلقت حسابها لسبب ما إما استراحة من الفايس أو سبب اخر أجهله. بعد أيام وجدت صديقا مشتركا بيننا على فايسبوك فسألته هل هي متواجدة فأجاب بالايجاب حينها فقط أدركت أنها قامت بحظري. فبلغتها التحية.  بعد قليل وجدت رسالة منها، فتحدثنا، سألتها لم؟ وكعادة التونسيات قالت أنني أعرف السبب . وبما أنني خالي الذهن من اي سبب مباشر تجاهها بقيت مزبهلا.  حينها قالت أنني علقت عند صديق مشترك بيننا بتعليق مخل، فضحكت من هذا حتى استلقيت على ظهري ( طبعا انا دائما مستلق على ظهري😂)  المربك في الأمر أنني أكتب أكثر من ذلك على صفحتي، تغزلا بالمرأة، والتعليق كان على صورة إمرأة.  بفعلها هذا أعدت ترتيب مفاهيمي، ورتبت أصدقائي من جديد ولم أترك الا قليلا أحادثهم ويحادثونني وها أنا اليوم أتذكر ذلك لأعيد من جديد تصفية البقية الباقية.  لا صداقات حقيقية الا مع من لا يحسب عليك ...

سفن الغياب و أشرعة العودة

  سفن الغياب وأشرعة العودة يقولون أن في ديسمبر تنتهي كل الأحلام .. بت أرقب هذا الشهر   نهايته كما يرقب السقيم خلاصه ، في كل سنة يمر هذا الشهر بطيئا ثقيلا و كأنه ينتزع منا أرواحنا ، فنخسر علاقة بنيناها ، و تضمحل أخرىو تبقى أخرى معلقة فلا هي انتهت لترحل بثقلها و لا هي عادت لها جذوتها . في هذا الشهر ، تقفر القلوب من المشاعر و كأن الكل قد فرغت خزائن قلبه من الخلجات ، و بقي على حافة الانتظار لتأتيه السماء بخزان جديد. تحوم النوراس في ملتقى صحراء الأيام و برود الشتاء ، لتبشر بقدوم موسم الأمطار ، فتسكن أراضي القلوب المنهكة و تبقى في انتظار أفول العام و تكسر ما بقي من أحلام معلقة على جدران الزمن.  ثم تأتي سفينة ، تمد أشرعتها في الفضاء لتلقي حبلا لمن بقي صامدا دون انفجار قلبه فينتشله من المرفإ القديم المتهالك بفعل مرور الأيام. في ديسمبر تنتهي كل الأحلام ، لتتكون البدايات الجديدة و تنبثق كطائر الفينيق من رماد الأيام المنصرمة لتخبرنا أن لكل بداية نهاية و كل نهاية هي بداية جديدة.